عندما تحين لحظات الفراق، ينتظر الجميع و يستعد للقاء أخير، تختلط المشاعر و يزداد الألم و النحيب ، تخوننا الكلمات و تسبقنا الدموع لتعبر عن كل الذي نحس به، لا نتمنى هذا الموقف، تجبرنا الظروف، فالإنسان يفارق في الحياة و يبعد لمسافات، وكذلك يفارق عند الموت و لا يعود أبدا.
نبكي، نحزن نتألم و لكن حينما نفكر بأن الفراق لن يطول يعود لنا الهدوء و الطمأنينة، نتقبل سنن الحياة و نرضى بالقدر و تغمرنا السكينة و نسعى إلى الأمل، و نقول لأنفسنا، سنرى أحبتنا بعد شهر أو شهرين سنة أو سنتين، المهم أننا سنراهم يوما.
هذه أم تفارق ابنها الذي أجبرته الظروف الصعبة على ترك وطنه إلى جهة مجهولة، ليس لها سوى الدعاء له، سلمت أمرها و أمره لله، و هذه فتاة باغتها نصيبها لكي تكون زوجة لرجل يسكن بعيدا عن أهلها، لم تفكر في الفراق، حتى حانت ساعته، نظرت إلى غرفتها و بيتها إلى كل زاوية تحمل ذكريات طفولتها، أنها سنة الحياة، عليها أن تبني بيتها و تعيش ، بكت و تألمت لم تجد سوى الصبر ،لأنها تعلم أنها ستعود يوما ، وافقت ورضت بما قسمه الله لها، كانت تتوقع هذا اليوم و لكنه لم تكن تعلم أنه سيأتي سريعا.
أنا شخصيا لا أحب الفراق و لا أحب الوداع، و كثيرا ما أهرب منهما، لا زلت أذكر حينما حانت ساعة توديع صديقة لي، أقفلت الهاتف و بقيت في البيت حتى غادرت، كانت تعلم بذلك فلم تلومني عليه، و حينما أرادت والدتي توديعي في آخر سفرة لي ترجيتها أن تتركني أغادر وحدي أخذت سيارة أجرة إلى المطار، لم ألتفت ورائي، و بكيت وحدي و أنا في الطريق، سألني السائق لماذا لم تدعيها تأتي معك؟؟ قلت له: أكره الفراق و الوداع و لا أريد أن أسبب لها الألم.
لا أتمنى أن أفارق من أحبهم ولا أتمنى أن تفارقوا من تحبون لأن ألم الفراق لا يضاهيه ألم، أنه يشبه الجرح العميق تحس بقلبك يسحب من بين أضلعك، و لكن أنها مشيئة الله، قبلنا أم لم نقبل، يعلم ما لا نعلم، و لا نملك الحق في الإعتراض على حكمه ، سنفارق يوما شئنا ذلك أم أبينا.
ليكن وجودنا في هذه الدنيا تواجد خير و رحمة و مودة و إن فرقتنا الحياة تبقى لنا ذكرى، نستعيدها كلما ضامتنا الدنيا، و كلما اشتقنا لمن أحببناهم بصدق ووفاء و نرجو لكل من فارق الأهل و الأحبة أن يعود سالما إليهم و يجتمع الشمل، خاصة و نحن على أبواب شهر رمضان الكريم.








